خـالد حـوراني

عزيزتي سناء

 

 لم يحدث ان قمت بالكتابة في موضوع فني، وعن فنان واعماله, اعتماداً على صور وعلى حوار واخذ ورد  عبر التلفون، والتلفون فقط. لم يكن  الامر سهلا علي  ابداً،  وكان شيئا محزنا ومحبطا ان لا اتمكن من مشاهدة الاعمال  ومعاينتها ، بمشيئة الحواجز. ان النحت ،على وجه التحديد من بين الفنون التشكيلية، لا تستطيع الصورة تمثيله   تماماً، فهو  ثلاثي الابعاد والصورة مسطحة .

فكرت مرارا بالاعتذار ، لعلني لا استطيع من رام الله الكتابة عن اي شيئ  لا اراه الا  بعيون الحصار الذي يمنعنا من رؤية الشيء في حقيقته وفضائه وابعاده. في النهاية قررت خوض التجربة ومحاولة للخروج من الحيز المسطح والضيق والبلد الى فضاء الفن قافزا فوق القيود التي يرسمها الاحتلال لنا .

اول انطباع لي عن الاعمال ،حالما شاهدتها للمرة الاولى على شاشة الكمبيوتر ، انها اعمال نحتية شاهدتها من قبل. وهي جميلة بالمناسبة واشبه ما تكون ببعض كلاسيكيات النحت الحديث،  واعمال رودان  وهنري مور .. فماذا عساني اقول ؟ تابعت تطورها. وقد كانت مرتبة بشكل تسلسلي .اعمال البدايات، ومن ثم التحول الى التكعيبة،  والعمل على الملمس والفراغ ... ثم التقطيع والافراط به ...

علي ان اعترف ،ايضاً، ان ذلك كان منطقيا ،او هكذا توقعت في الاقل ...

انشغال بالنحت وتطوره الذي افتضاه  التاريخ و تقتضيه التجربة, وطبيعة المادة .... والحدود القصوى التي يمكن ان يصلها المثال والتمثال؛ المحاكاه والحرص على التشبيه والتشريح ، ومن ثم الاطمئنان الى امكانية التلخيص ،والتخلص من التفاصيل لصالح الحركة والانفعال.. ومن ثم الاقتصاد , ومحاولة تطويع الفراغ.. وصولا الى التقطيع والتجزئة.

 

الى ذلك، كانت الاعمال تبشر، بعامة، بالدعة والأمل الذي يحمله الفن على الدوام، وهو يصف ويؤبد اللحظات الجميلة في الحياة في عالم مشوش ،تقف فيه البشرية على  حدود الفاجعة اكثر من اي وقت مضى، وكأنها  لم تراكم تجربة ولم تستفيد من الدروس ، وفي منطقة تشتعل فيها الحروب الصغيرة  بين فينة واخرى ,او  هي حرب كبيرة مستمرة ذات فصول، يقف فيها الفنان حائرا بين حرب وحرب محاولا تحقيق هويته الوطنية والقومية في زمن الاختلال والاحتلال ,على طريق تحقيق هويته الانسانية ومعناه  الوجودي .. وبين  ما يمنع ذلك أو يعيقه عن التطور السوي.

الفوضى والظروف السياسية القاسية التي نعيشها في عالم اليوم , تكاد لا تترك للناس العاديين , وللفن بخاصة, اخذ نفس ... لكن البعض منا يصر على اخذ استراحة محارب ،او ربما تقاعد ، ليس تجاهلا لما يحدث ,بل بالقفز الى المصير ... المأمول بالخلاص.

اصطلح على تسمية فن الرسم والنحت والتصميم بالفنون الجميلة، بكل ما تحمله الكلمة من رومانسية وافتراض الخير بالدنيا، ولكن هذا النوع من التصنيف والتسمية لم يعد يتسع لما تفرزه الحياة والفن ، وضاق بحجم الشك وكم الاسئلة التي يقترحها الزمن المعاصر ومقولات الفنان وما يريد قوله او السكوت عنه .

ها هي" الفنون الجميلة"( بين قوسين) تتراجع لصالح الفن بدون اقواس او نقط . ليس اختلافا على معنى الجمال ونسبته ، ولا على شكل او وسيط الفن وتقنيته ، بل على المقولة ... فلكل مقام مقال  كما عهدنا دائماً ....

يصح ان نقترح ان لكل مقام اسئلة ... على اية حال  لم يحسم الجواب  بعد وسنة الحياة ان يتواصل  الجدل .

وبعد...

 في البحث عن المضامين والدوافع لما تنتجه  سناء  نحتآً ، ليس صعبا العثور على خيط المرأة الدقيق، وسؤال النوع  الاجتماعي يتمظهر في مجمل الاعمال . وكامرأة عربية تعيش في مدينة مختلطة, بالمعنى القومي- السياسي وليس بالمعنى الاجتماعي فقط  . لا يمكن القفز على مشاغل الحياة العادية . والحساسية التي تطغى على الاعمال  تؤشر  الى المرأة ،الام والزوجة والعاملة  المكافحة والوحيدة  القائمة من ركام .

المرأة, من وجهة نظر المرأة , عالم مليء بالجمال والسلام  والقوة وهشاشة الكائن في آن. تنقلنا سناء من واقعية الشكل ,تدريجياً, الى  التعبير عنه ,ومن ثم تحليله.. وحتى تفكيكه في اطار من الشك الضمني في جدوى مطابقة تمثيل الواقع ، ولكن هذا يتم بهدوء وتحفظ ملحوظ.

حقيقة المرأة ، همومها ومشاغلها ، ورغبتها في السلام ، تحاول الفنانة تشكيلها بالطين المطواع وبعد ذلك سكبها بالبرونز .ليست محاولة لتقرير مصير التمثال او نهاية لشيء ما . هناك ما يشبه الاقتراح بما يتبع ،والافتراض ان التمثال يتحرك بايقاع الكتلة السابح في الفضاء  .انها لا تريد لهذه التماثيل ان تبقى في الظل  منطوية .تريدها منطلقة وراقصة ومتسامحة, لا يهددها صاروخ او خوف اجوف بقدر ما يهددها السكون.

لديها كفنانة القدرة على التمثيل في التمثال  وضخ الحياة والحركة في الثابت ، وتليين  الصلب . ولديها اصرار خفي خلال الانتقال من مرحلة الى اخرى على مد الجسور اولاً قبل القفز في الهواء .

غالباً ماكان  التشكيل اللولبي الصاعد كالبرغي يوحي وكأن التمثال ذاته على وشك ان يتحرك فعلاً ، وهو الى ذلك نحت يستند على محور ديناميكي  بمثابة دعامة للجسم المتداخل مع الفراغ. تطور الاسلوب ,بعد ذلك, بإدخال الفراغ كعنصر  فاعل - وهو دائم الحضور في النحت على نحو او اخر- ولكن هنا برؤيا تحاول فتح حوار بين المادة ونفسها ، واخذ الفراغ،  الشكل والمعنى, الى حدود  قصوى  من المشاركة في تكوين العمل . ونحن اذ نلحظ حضور الفراغ الطبيعي في محيط الكتلة ،وكيف تغلغل  بعد ذلك الى  قلبها كجزء اساسي من التكوين ، فاننا نستطيع التكهن  بالدلالة والمعنى الذي  تريده الفنانة من هذا التوظيف ؟

 الفراغ في الطين ام الطين في الفراغ؟ دلالة تتعدى المعنى الشكلي لصالح المعنى والمبنى الفلسفي  . تتواصل الفروق وتبقى الاقتراحات ليس على مستوى المادة ومقولات الفراغ المحددة ،وانما على مستوى الملمس  والاختزال المدروس لملامح الكائن المقصود، الفروق بين الغائر والنافر ، بين الملمس الناعم والخشن ، بين الواقع و طريقة التعبير عنه . عشرات التماثيل حاولت سناء توظيفها للحيلولة دون الرتابة والتكرار وللتغلب على التقليد .في الاقل وهي تتقن, باكاديمية ظاهرة, كيفية  انشاء التمثال  وتحوير الشكل ، وهي تتوجس من الانقلاب على ما تم تكريسه في كلاسيكيات النحت  منذ عصر النهضة، وربما قبل، وحتي يومنا هذا .

حل محل  التمثال الابدي للكائن البشري  تماثيل صغيرة  , لا تكترث بالتشبيه  بقدر الاهتمام   بالبنية المعمارية للتكوين , وبالوضعية الاجتماعية  للتماثيل, وهي تتجاور او تقف متوحدة , او تستلقي  بطرب  بعد صياغتها بالطين ليتم سكبها بالبرونز كمادة اثيرة تم تكريسها مع الوقت  كقالب لا مفر منه .

 ولكن  يبقى السؤال ان كان البرونز متوفرا ويفي بغرض منجز النحت بسبب من صلابة مادته وديمومتها. فهل من الممكن تثوير صياغاته بتقنيات متعددة سواء في الملمس او التلوين، ونحن في زمن يمكن به ذلك؟ وقد تطورت مواد واصباغ تحتمل عوامل الزمن  والتغيير ،فليس الامر مقتصرا على مواد النحت الاولية , بل يتعداه الى دراسة مستفيضة للمكان والزمان والانفتاح على ثقافات العصر، واستيعاب دروس الماضي ,مما  قد يشكل بديلاً لمادة البرونز المعهودة .

ترتبط سناء بعادات وتقاليد النحت  بطموح  انشاء صياغات  جديدة وخاصه، تعكس قضاياها هي ،ورأيها كامرأة في الحياة والوجود ، وانشغالها اصلاً ، رسالة  مبدأ في سياق ثقافة  عربية عامة لا تحتفي بالتماثيل وفن النحت كما يحتفى بفنون اخرى، مع ما يسببه ذلك من ندرة في عدد النحت والنحاتين في محيطنا العربي , والتحدي  الذي يفرضه ذلك على الفنان.

 معروف ان  النحت  في الثقافة العربية , بشكل عام، يواجه نقصا واضحا في مساحة انجازه وقلة عدد المشتغلين به.. ودائما ما يرجع الأمر لنوع الثقافة  السائدة ولصعوبة التنفيذ . سناء من الفنانات العربيات القليلات  جداً   الناشطة  محلياً في هذا المجال. فالعمل النحتي شأنه شأن اي عمل فني اخر لا يخلو من مفاهيم زمنه المعرفية والفنية.

والمحك الاساسي للفنان ان يوظف قدراته في اضافة شيء جديد, وان يقول كلمته في هذه الدنيا , وان لا يطمئن لمهارته ورغبته في فحصها، ربما عليه ان يبادر  ليشفى من قيود مهارته ,ويفتح الباب علي احتمالات  الفن المتعددة. اهم ما يميز اعمال سناء هي محاولتها توظيف المهارة و التقنية للقول وليس التمرد عليها .في احيان كثيرة  النسب وحساسية السطوح والكتل هو ما يؤرقها اكثر من اي شيء اخر.

لكل تمثال روحيته الملتصقة بوظيفته  المحددة. ليست هي حفاوة بحجم وتفاصيل المنحوتة المجهولة الهوية . ان المحتفى بتمثيلهم  النحتي اناس في كل الاحوال،  وان كان على الفنان ان يبحث عن انسانيته التي تشبه انداده, ولا تستفز الاخرين او تقزمهم، فان سناء تكتفي  بتشبيه الناس العاديين. ولم تكترث  بالأبطال والرموز الكبيرة   لتنفيذ منحوتات شخصية لهم  ،رجال سياسة او رموز تاريخية، ولم تفترسها النصبوية .

ما نلاحظه في معظم الاعمال،  القواعد والاسس الاكاديمية التي مهدت للتشكيل المختلف الذي تبع البدايات (جنين، تداخل، تانغو وسر) وحتى تشظي وتمازج وامل ، وتعالي  والجانب النسوي   وعائلة ، ومروراً بالأعمال (عازف التشيلو، تفكير، ووجهة نظر)

 التزام هادئ بمقتضيات النحت التقليدية واليقين بعدم التخلي عن قواعد اللعبة .وحتى في الاعمال المقطعة بقيت تبحث في منجز النحت العام ، ولم تخرج عليه.

 ليس من السهل اخضاع اعمال اي  فنان للنقد بمعزل  عن محيطه وتاريخ الفن  والاعمال التي تشبه او تذكر على الاقل بما تم انجازه في هذا السياق من قبل ، كما انه ليس من السهل  تخيل انتاج فن خارج سياق الحركة الدائمة للفنون ،والنحت على وجه التحديد والاسس والمبادئ التي ارستها التجربة .يكتب الفنان على نفس اللوح  وينقش ويرسم وينحت على جدار الانسانية الكثيف منذ فجر التاريخ والرسوم علي جدران الكهوف ، وحتى يومنا هذا مروراً بكل شئ.

قطعت الفنون شوطاً كبيراً من التجديد  والبحث والاضافة والتثوير والتكرار والعودة والتقدم للأمام  والشك ، توجت في السياق اعمالا خالدة لفنانين كبار ، ربما لم يعد الزمن يتيح تتويجاً مماثلاً لمكانة مايكل انجلو ورودان وحتى هنري مور  وبيكاسو ، يكتفي الفنان اليوم بالمقولة والان  ،ليس هرباً من المزاحمة او وفرة الانتاج وتنوع الفنون وانما نتيجة لتغير في دور الفن وجوهره.

 

تقف اعمال سناء بين كل ذلك غير مكترثة . وهي تنتج لنفسها تماثيل  بأحجام (داخل الباب) كما يقال ، بروحية من يبنى بيته بنفسه ويؤثثه بدفء وحميمية ولا يبني مدننآ او مشهداً عاماً  , والبيت عالم كامل داخل العالم بمواصفات شخصية, والخيط الفاصل بين البيت والخارج او العتبة هو صالة العرض ونشر الاعمال والكتابة عنها.

نحن الان، على هذا الخط وعلى نحو ما على هذا الخيط ،لعلنا غير مدعوين لشده او تبيان مصدره ومنتهاه. مدعون فقط للفرجة (وفي حالتي عن بعد) والاكيد ان ما تنتجه هذه الحالة انطباعات  لا ترتقي لمستوى النقد. ليس العقبة الجغرافية ولا حتى الموانع السياسية فقط  وانما اسباب كثيرة اقلها نشرة الاخبار  هذا المساء في قناة  فضائية.   

 

ان العالم  اليوم يضج بانفجارات وفوضى لا حدود لها تطبع النظر للأشياء  والغد بسيمائها المسيطرة. حروب وامراض عصرية وموت تأخذ جيل كامل الى  تفاصيلها وتدعوه للشك في جدوى الفن و قدرته، ولكن الفنان يدعونا بغريزته الى اشارات القوة والمناعة التي تهزم اليأس والعجز والانغلاق .    

 

صباح الاعمال النحتية المقطعة لسناء غير مسائها؛ ففي الصباح ربما تكون  تعبيراً عن  المرأة المقطعة والموزعة بين البيت والعمل ، العائلة والذات .. وفي المساء قد تكون تمثيلاً لحال الانسان المقطع الاوصال عن عائلته وعن البشر بشكل عام ، والمجزأ بين واقعه  والاحلام ورغبته في العيش  بسلام  . وربما الموزع بين اسئلة الهوية الوطنية والنوع الاجتماعي ، قضاياه القومية والانسانية . لا فكاك, اذن, من التاويل وترجيح كفة العوامل الداخلية الدفينة في انتاج الفن حتى مع محاولات تجنب القصدية، نقول ربما والله اعلم.

اعمال جميلة بدون شك , وهي تحتفي بالحياة والرقص  و محاولة الانطلاق الى جانب  الاسترخاء والملل وربما الحزن والانطواء والضعف .  ولكن ليس بوعد الشكوى او اليأس، وانما  بوضع الضوء في النفق . التحدي في النحت ليس انفعالياً ، فالجهد الذي يحتاجه يخرج الفنان من دائرة ردة الفعل الى التأمل والحوار واقتراح  الفعل . انه انهماك جسدي في المادة ؛ لمس ،وتقطيع ،وتدوير ،اضافة وحذف  انخراط معنى  و حس .

 يشغل الاعمال, في مرحلة متأخرة, الفراغ. سنكتشف من اين اتى، والى اين سيمضي. جاء من المادة، وهو ينتهي اليها بدون شك , وسيحط بنا في روعة السحر والشك الذي تخبئه  الصدفة . ربما تكون قيمة الجدران في البيت  في المدى والفراغ الذي تنتجه،  وعزل هذا الفراغ عن العالم الخارجي.  وفي النحت ربما يلعب الفراغ الناتج عن التجويف والمحيط والفراغ  الدور الموحى بشكل  موجب ليصبح الطين او البرنز بعد السكب هو السالب .

تطورت الاعمال بعد مرحلة الانشغال بالفراغ والفورم المبسط الى مرحلة التقطيع.  التي بدورها حملت معها الفراغ كمفهوم مثلما حمل الفراغ معه تغيرات وتناقضات الملمس . واذا ما نظرنا بعين التفاصيل سنرى ما يوحي بمرحلة جديدة ستقترحها الايام، توقعات  يقتضيها السياق  ربما تختلف عن سابقاتها . قد يدخل الشرق وطقوسه  اللونية وحجم الضوء في هذه المنطقة من العالم  ، بانتظار ما ستضيفه سناء  سنحب البرنز والطين واملنا بمواد اخرى تخرج الشمس من قمقمها .

تقف هذه المنحوتات وتستلقي وتلف وتدور ، لا لتعلن بلاغ للناس بقدر ما تنشئ حوارآ داخلياً يهتم بأدق التفاصيل وقد يكون من النحت والى النحت كلحظة تسكين وادامة لما قد يفلت من لحظات الحياة المتسارعة.

لا باس ان تكون الاعمال كذلك, ونحن لن نسأل ان هي ما اردت ذلك بوعي وارادة . من ناحية نرى في الاعمال رفضاً للظلم والاحتلال ودعوة للخير؛ ومن ناحية ثانية تجاهل  شبه تام للافتراض الاول .

في الختام ينبغي ان  نشير الى ان هذه القراءة للأعمال هي اجراء فكري ونفسي، قد تختلف عن غيرها، وقد تقترب من الاعمال او تبتعد عنها بمقدار ما فينا وما فيها من ملكات ومعنى والقول دائماً يحتمل التأويل .       

تتوق الاعمال اذن الى عالم افضل، وهي تقترح ،على الدوام ،مسرة للناس  والسلام ختام.

رام الله ،٢٠٠٦

  • Facebook

©2020 by SANA FARAH-BISHARA.